القيم والتحولات الاجتماعية والثقافية بالمغرب


القيم والتحولات الاجتماعية والثقافية بالمغرب
محمد الصغير جنجار : باحث – الدار البيضاء
بمبادرة من مؤسسة فريدريش إيبرت نظمت بالرباط سلسلة من الأوراش الفكرية المدرجة ضمن برنامج « المغرب : سيناريوهات 2025 » والتي خصصت لوصف التحولات التي يشهدها المغرب واستشراف الآفاق المستقبلية. وذلك بمشاركة مجموعة من الفاعلين العاملين في مختلف القطاعات السياسية والاقتصادية والأكاديمية. تنشر مقدمات نص الورقة التي قدمها محمد الصغير جنجار ضمن أشغال الورشة الخاصة بالتحولات الاجتماعية والقيمية والثقافية، بتاريخ 2 ديسمبر 2004.
تحاول هذه الورقة الانضباط للمنهجية التي يقترحها منظمو هذه اللقاءات بالتدرج في التحليل على مرحلتين : لحظة أولى تخصص لتشخيص ووصف بعض أهم الديناميات الفاعلة في الحقل المجتمعي والقيمي المغربي الراهن ؛ ثم ثانية لحظة توجه لاستشراف المستقبل ومحاولة تصور تشكلاته الممكنة.
لأداء هذه المهمة سنسعى لاعتماد مبدأ بسيط لعله الفرضية ذاتها التي تخللت الفكر السوسيولوجي الحديث منذ كتابات المؤسسين (ماركس، دوركهايم، ماكس فيبر، إلخ) والتي تعتبر بأن التحولات المجتمعية الكبرى التي تعرفها مجموعة بشرية ما تمس بالضرورة فضاءها الرمزي ومنظومتها القيمية ومحيطها الثقافي بشكل عام. والمجالان الاجتماعي والرمزي يتداخلان ويتفاعلان باستمرار. لكن إذا كان من اليسير نسبيا رصد بعض التحولات الكبرى على المستوى الاجتماعي بحكم أنه يقبل إلى حد ما أدوات القياس الكمية، فإنه يصعب جدا تتبع آثار ذلك التغيير على مستوى المنظومة القيمية. ما هو مصدر هذه الصعوبة ؟
1- حدود المقاربة الاستشرافية في المجال الثقافي والقيمي
إذا كان هناك من مجال تعتبر فيه التغيرات معقدة، وحمالة أوجه فهو مجال الثقافة والقيم. خصوصا وأن القيم دينية كانت أو أخلاقية أو جمالية، تنتمي في وعي الناس إلى حقل الثابت المنتج والمهيكل للمعاني، ذلك المنتوج الرمزي الذي يتولى -من بين مهام عديدة- مهمة التخفيف من القلق الوجودي الذي ينجم عن التحولات في الحياة بكل أوجهها (اقتصادية، مجتمعية، إلخ.) التغير في مجال القيم لا يعلن عادة عن نفسه، بل إنه يتخذ سبلا ملتوية مما ينتج عنه في كثير من الحالات مفارقات غريبة وأوضاعا مبهمة. وهو بذلك يسير وفق مسار يصعب فيه التمييز بين القفز إلى الأمام والخطو إلى الوراء، حيث يمكن القول تبعا لاستعارة بليغة استخدمها الانثروبولوجي الأمريكي كليفورد غيرتز، بأنه في حقل القيم يمكن « للشراب القديم أن يملأ زجاجات جديدة، كما يمكن للقنينات القديمة أن تستقبل شرابا جديدا »1.
القيم بصفة عامة (دينية، أخلاقية، سياسية، جمالية، إلخ) هي مصدر لأنماط تفكيرنا وتمثلاتنا ورؤيتنا للعالم. فهي التي تضفي المعنى على سلوكاتنا وتساهم في تشكل هويتنا ووعينا الاجتماعي. ولذلك فهي تعد من أهم دعامات الفعل الجماعي، لكن عملية إنتاجها وتبلورها تتم في سياقات تتسم بالتفاعل الاجتماعي المتعدد الأبعاد. فنحن – إن صح التعبير – نوجد بإزاء مادة زئبقية يصعب الإمساك بها ورصد وتكميم تحولاتها واستشراف آفاق تطورها. إنها تؤثر وتتأثر بالكثير من المتغيرات الثقيل منها (الديمغرافي مثلا) أو الطارئ (الأحداث الكبرى). وبما أنه يعسر حصر تلك المتغيرات والتحقق قبليا من آثارها، فإنه يصعب أيضا تحديد التوجهات التي ستتخذها القيم والسلوكات الثقافية في تعاملها مع تلك المتغيرات. أسوق هنا مثالين بسرعة ودون الخوض في تفاصيلهما للتدليل على ما أقول :
- المثال الأول : عندما ندرس الجواب الثقافي للمغاربة على التحدي الاستعماري (نهاية القرن 19 وبداية القرن 20)- سواء من خلال كتابات أنثروبولوجي مثل كليفورد غيرتز2 أو مؤرخ مثل عبد الله العروي – يبدو الأمر وكأن التحول العنيف الذي أحدثه التدخل الأجنبي في بنية المجتمع (النشاط الاقتصادي، البنية السياسية، التراتبية الاجتماعية، إلخ) أنتج أزمة عامة لم يتم ضبطها إلا بتعميق الثقافة الدينية وتثبيت التقليدانية وليس الارتماء في التحديث الموعود. فمن من منظري التحولات الاجتماعية والثقافية خارج أوروبا كان يتصور في نهاية القرن 19 أن حمل قيم الثورة الفرنسية ونتاجات الثورة الصناعية إلى الضفة الجنوبية لحوض البحر الأبيض المتوسط، سيبعث السلفية الدينية وسيحول الإسلام الشعبي التلقائي إلى إسلام سياسي حامل لمشروع مجتمعي ؟
- المثال الثاني : يخص براديغم العلمنة (Sécularisation) كما بلوره آباء الفكر السوسيولوجي منذ القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين (ماركس، دوركهايم، ماكس فيبر). فالسوسيولوجيا الحديثة تأسست فعلا على فرضية العلمنة أو (Le désenchantement du monde) التي تعتبر بأن التحديث في مختلف جوانبه بقدر ما يتعمق (تمدن، تصنيع، انتشار التعليم، تحرير المرأة، إلخ) يحدث بشكل شبه آلي تراجع الدين برموزه ومؤسساته (تراجع القيم والشعائر الدينية، تقلص نفوذ المؤسسات الدينية، الضعف المتواصل للثقافة الدينية، إلخ). غير أن الرصد السوسيولوجي القائم الآن للظواهر والسلوكات والتمثلات الدينية في أكثر المجتمعات تصنيعا يبين بأن التحول أعقد بكثير مما صورته سيناريوهات آباء علم الاجتماع وأتباعهم إلى غاية الستينيات. يبدو الأمر في هذه الحالة أيضا وكأن الحداثة والدين يتقدمان معا، كل بإيقاعه الخاص، ووفق صلات معقدة يصعب اختزالها في باراديغم العلمنة في حلته القديمة.
هاذين المثالين وغيرهما كثير ما يمكن سرده في نفس السياق لكنني أريد أن أخلص إلى أنني كوني لا أزعم هنا تقديم سيناريو واضح المعالم - كما يحدث في حقول معرفية أو تقنية أخرى - لما ستكون عليه التشكيلة المجتمعية والثقافية والقيمية لمغرب 2025. كل ما أود اقتراحه – مشفوعا بالكثير من التحفظ المنهجي - هو التركيز على بعض من التوجهات الثقيلة (tendances lourdes) التي ثبت منذ أزيد من ربع قرن أنها تفعل فعلها بإيقاع متواصل ومؤثر في بنية المجتمع وثقافته. ومن تم محاولة بناء تصور لما يمكن أن تسفر عنه، والديناميكيات التي قد تتمخض عنها إذا ما هي استمرت في التفاعل خلال العقدين القادمين.
2- التشكل التاريخي للكيان المغربي
لابد لكل عملية استشراف مستقبلي أن تستحضر الترسبات التاريخية التي شكلت تربة وخريطة وشخصية الحاضر الإنساني والثقافي. ولذلك فإنني سأحاول بداية أن أرسم بخطوط عريضة وسريعة كيف تكون تاريخيا وانثروبولوجيا الكيان المغربي الحالي من حيث هو كيان بشري وقيمي وحضاري، ثم سأنتقل لاستعراض بعض أهم التحولات الاجتماعية والثقافية التي عرفها المغرب المعاصر والتي تميز في نظري حاضره ولاشك أنها ستؤثر عميقا في مستقبله. ما يمكن أن نستشفه من العديد من الدراسات التاريخية والانثروبولوجية الجادة – (التي نشير بالمناسبة إلى كونها استندت في أغلبها بشكل مباشر أو غير مباشر إلى الإرث الخلدوني) – هو وجود مغرب تاريخي أفرز ما يتعارف عليه بـ « الشخصية القاعدية » ومنظومتها القيمية التقليدية. وهو مغرب استمر في المحافظة على أغلب مقوماته الأساسية حتى مطلع القرن العشرين (أي تاريخ الدخول المباشر للقوى الاستعمارية). بل إن الكثير من خصائص هذا المغرب التاريخي لا تزال حية مؤثرة إلى اليوم. هذا المغرب هو الذي تشكل في الفترة الممتدة من أواسط القرن الحادي عشر الميلادي (1050 م) وأواسط القرن الخامس عشر (1450 م) بعد أن نزحت القبائل التي كانت تعيش في المناطق الهامشية (الصحراء أو جبال الأطلس) لتجتاح المجالات الخصبة (الوسط والساحل الأطلسي) وترسي دعائم مجتمع وحضارة لعل مقوماتها الأنثروبولوجية العميقة لا تزال في جزء كبير منها قائمة إلى اليوم.
من أهم خصائص التشكيلة المجتمعية والحضارية التي نشأت في الفترة المذكورة هي كون النظام الاجتماعي والثقافي المتولد عنها ظل مطبوعا بما يمكن أن نسميه الهشاشة (نوع من التوازن الهش الذي يبدو دائما وكأنه على وشك الانهيار). كما أنه ظل دائما متأثرا بالعلاقات المتوترة التي تربط وجهي المجتمع المغربي (العالمين الحضري والقروي). بمعنى آخر يمكن القول بأن مغرب العصر الوسيط والفترة السابقة عن الاستعمار لم يكن قطبه موجودا في المدن العتيقة مثل فاس ومراكش كما أصبحنا نتصور ذلك لاحقا وكما علمتنا مقررات التاريخ المدرسية، وإنما كان ذلك القطب ممثلا في القبائل. فهذه الأخيرة استطاعت لعدة قرون وبفضل قوتها العسكرية (كونفدرالية القبائل) وحركيتها الدائبة، أن تفرض سيادتها على المدن وأن تتحكم في إيقاع نموها، وتؤثر بالتالي على كيان وتطور الدولة. لهذا المغرب المجتمعي التاريخي وجه معياري ثقافي تشكل عبر تطور طويل اتسم بتوالي التراكمات البطيئة وبالتكييف المتواصل للتقاليد والمعارف الإسلامية مع الواقع المحلي. أما ثمرة كل ذلك فهي بناء منظومة قيمية تتلخص في ما أسماه الانثروبولوجيون « الإسلام الشعبي » الذي وصفوه أحيانا كثيرة تحت نعت (maraboutisme). وكيفما كانت التسميات فالمهم هي الوقائع والمسارات التي تشير في اتجاهها. ويتعلق الأمر هنا بتركيبة من التصورات والتمثلات والقيم الأخلاقية والمقولات الميتافيزيقية والدينية التي تؤدي وظيفة المؤطر السوسيو-ثقافي والوسيط المنتج للمعاني، المجيب عن الأسئلة الوجودية الكبرى (أسئلة الحال والمآل)، والمسوغ لكل جوانب حضور القدسي في العالم الدنيوي. هناك إذن خزان من المعاني والقيم كانت المؤسسات الكبرى والأساسية المؤطرة لمختلف الأنشطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والروحية (الأسرة القبيلة، المخزن، الولي، الزاوية، إلخ) تستقي منه قيمها ولغتها، ومشروعيتها وقوتها المادية والرمزية. كما كان الأفراد والجماعات يستخدمون تلك المعاني والرموز الدينية والأخلاقية (طقوس، شعائر، معتقدات، حكايات، خوارق، إلخ.) التي كانت تبدو لهم واضحة القوة والبداهة، تفرض نفسها وتحمل سلطة الإقناع في ذاتها. ولم تكن متغيرات الزمان والحياة اليومية تزيدها إلا رسوخا وقوة.
هذا المغرب التاريخي بمؤسسات التقليدية الكبرى (المخزن، القبيلة، الولي، الزاوية، الفقيه، إلخ.)، المغرب القروي في أعماقه والذي لم تكن ساكنته الحضرية تشكل سوى نسبة ضئيلة تقل عن 10 %، هذا المغرب « الأمي » الذي لم يكن المتمكنون فيه من القراءة والكتابة إلا قلة تتواجد في أغلبها ضمن حاشية المخزن وتتكون من بعض الكتاب والفقهاء. هذا المغرب ذو القيم الذكورية والبطريكية كما هو الشأن في أغلب المجتمعات الزراعية ؛ هذا المغرب إذن بمؤسساته ونظامه الاجتماعي وقيمه وتراتبيته، سيشهد هزة عنيفة مع التدخل المباشر للاستعمار في مطلع القرن العشرين. وهي هزة عميقة ما تزال تفاعلاتها ونتائجها لم تستنفذ بعد، باعتبار أن مسلسل التحولات الذي دشنته لا يزال يتفاعل في الكثير من جوانبه.
3- التحولات المجتمعية الحديثة : الواقع والآفاق
ما هي إذن أبرز التحولات الاجتماعية والثقافية وما يمكن أن نطلق عليه الاتجاهات الوازنة التي يمكن اعتبارها صانعة لمغرب اليوم، والتي قد تكون ذات تأثير كبير فيما سيكون عليه مغرب الغد ؟
سأحاول هنا استعراض بعض أوجه التحول ذات الطبيعة الاجتماعية والثقافية والمعيارية التي قد تساهم في صياغة وجه المغرب بشكل مخالف تماما لما كان عليه المغرب التاريخي الذي تعرضنا له سابقا. وهي قائمة لا تدعي الشمولية طبعا.
3-1- الانتقال الديمغرافي
لعل المعطى الأول البارز الذي يشهد على التحول العميق بالمقارنة مع حالة المغرب التاريخي هو المعطى الديمغرافي الذي لا نكاد ننتبه إلى أهميته رغم أن أبرز الدراسات التاريخية التي تصدت لمسار التحديث في المجتمعات الأوروبية منذ القرن الثامن عشر أولته قيمة كبرى إلى جانب مؤشر الإقلاع الثقافي (le décollage culturel) الذي نقصد به عادة خروج نصف ساكنة بلد ما من الأمية وتمكنها من إتقان القراءة والكتابة، وكذلك مؤشري التمدن والتصنيع.
المعروف عن المغرب في الفترة السابقة عن الحماية أنه كان يعاني من ضعف مزمن في عدد ساكنته من جراء الكوارث الطبيعية المتكررة (الجفاف، المجاعات، الأوبئة) والاضطرابات السياسية والاجتماعية التي كانت تؤدي في كثير من الحالات إلى حروب أهلية مدمرة4. أما الفترة الممتدة من 1912 إلى 1956، فلا نتوفر بخصوصها على بيانات إحصائية دقيقة نظرا لافتقاد العمليات الإحصائية العديدة التي قامت بها سلطات الحماية الفرنسية-الإسبانية لمواصفات مضبوطة ومتجانسة. غير أن التقديرات المتوفرة تحدد عدد سكان المغرب مع بداية القرن في 5 ملايين نسمة (1900)، انتقل بعدها إلى 9 ملايين نسمة مع مطلع الخمسينيات من القرن العشرين (1952). وقد تواصل ارتفاع هذا العدد في النصف الثاني من القرن العشرين لينتقل تباعا من 15,379 مليون نسمة (1971) إلى 26,019 مليون نسمة (1994) قبل أن يستقر في 28,756 مليون نسمة حسب التقديرات المتوفرة عن سنة 2000.
بالموازاة مع المعطيات العامة المشار إليها، يلاحظ أيضا على امتداد القرن العشرين أن التوزيع السكاني بين العالمين القروي والحضري يعرف توجها ثابتا وقويا ومتواصلا نحو تزايد الساكنة الحضرية، وذلك نتيجة عدة عوامل منها الهجرة القروية والتزايد الطبيعي وانتشار التمدن. وهو ما يبينه الرسم البياني أسفله الذي يبرز الارتفاع المطرد لنسبة الحضريين ضمن مجموع ساكنة المغرب منذ سنة 1960.







تطور نسب الساكنة الحضرية
كما يلاحظ أيضا أن البنية السكانية حسب السن والجنس لم تفتأ تتحول منذ الستينيات لتعطينا في مرحلة أولى ساكنة شابة في أغلبها (وهي مرحلة لا نزال نعيش نتائجها)، ثم في مرحلة ثانية انطلقت منذ أواسط الثمانينيات لوحظ اتجاه نحو تراجع نسبة الصغار (الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة) مقارنة بالارتفاع الواضح والمتواصل لنسبة الأشخاص المسنين (60 سنة فأكثر). وهكذا انتقلت نسبة الصغار تدريجيا من 45,9 % من مجموع السكان (1971) إلى 37 % (1994) لتستقر في 32,3 % (حسب الإسقاطات المتعلقة بسنة 2000). وعلى العكس من ذلك تتزايد باطراد نسب المسنين، بحيث يحتمل « أن توازي في غضون العشرين سنة المقبلة مستويات الشيخوخة الموجودة بأوروبا الغربية وأمريكا الشمالية »5.
يتجلى من خلال المعطيات المدرجة أعلاه أن المغرب يشهد منذ أزيد من نصف قرن انتقالا ديمغرافيا على غرار ذلك الذي شهدته البلاد الأوروبية منذ القرن 18. وهو انتقال على مرحلتين :
- المرحلة الأولى : التي نصفها عادة بلحظة الانفجار الديمغرافي والتي امتدت من مطلع القرن إلى أواسط السبعينيات، وقد اتسمت بوتيرة مرتفعة في التزايد السكاني بلغت 2,8 %.
- المرحلة الثانية : والتي بدأت في أواسط السبعينيات وتميزت على العكس من اللحظة الأولى بتراجع وتيرة النمو الديمغرافي إلى 2,06% مع تناقص متواصل في معدل الخصوبة الذي انتقل من 6 أطفال لكل امرأة في أواخر السبعينيات إلى 3 أطفال لكل امرأة في 1998-1999 (مع تمايز طبعا بين العالمين الحضري (2,30 %) والقروي (4 %).
دلالة كل هذه الأرقام أن المغرب، حسب تحليل الديمغرافيين، يشهد في ظرف جيل واحد تقريبا انتقالا ديمغرافيا عميقا وسريعا على شاكلة ذلك الذي عرفته بلدان جنوب أوروبا (إيطاليا، اسبانيا، اليونان) وبلدان شرق آسيا في الستينيات والسبعينيات.
من عوامل هذا التحول يمكن الإشارة بسرعة للعناصر الآتية :
- السياسة السكانية التي اعتمدتها الدولة منذ سنة 1966 (سنتان فقط بعد تونس وعشر سنوات قبل الدولة الجزائرية) والتي اتسمت بتوجه مالتوسي جديد ؛
- الارتفاع المتواصل لمتوسط سن الزواج : 17,5% سنة (1960)، 22,3 % سنة (1982) ليستقر في 26,8 % سنة 1998-1999، مع تفاوت طبعا بين العالمين القروي والحضري ؛
- استخدام النساء لوسائل تحديد وضبط الحمل، حيث انتقل المعدل الوطني من 19,4% (1980) إلى 58,5 % (1997).
وهي عوامل ترتبط بدورها بعوامل سوسيو-اقتصادية وثقافية حاسمة مثل تمدرس الفتيات والاندماج المهني للنساء في الدورة الاقتصادية. كما أن كل الإسقاطات الديمغرافية - في انتظار نتائج الإحصاء الأخير - تبين بأن التوجه العام الذي انطلق في أوائل الثمانينيات والمتسم أساسا بالانخفاض التدريجي والمتواصل لمعدل الخصوبة وارتفاع الأمل في الحياة سيستمر بل إنه سيتعمق أكثر. وينتظر أن يستكمل المغرب انتقاله الديمغرافي في حدود 2020-2025.
النتيجة الواضحة لهذا التحول والتي ستكون لها من دون شك آثار مجتمعية وثقافية كبرى - وقد بدأ تأثيرها منذ سنوات - هي : بروز الشباب كفاعل اجتماعي أساسي. كيف نقرأ هذا في آفاق مغرب 2025 ؟
عندما نتحدث عن شباب العقدين القادمين، فإننا نقصد أولئك الذين ولدوا في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات. فما هي خصائص هذا الجيل وما هي طبيعة التحديات التي ستطرح عليه مجتمعيا وثقافيا وسياسيا ؟ الجيل الذي نحن بصدده يعرف سياقا يطلق عليه الديمغرافيون عبارة « الهدية الديمغرافية »، بمعنى أنه جيل محظوظ من وجهة نظر الامكانات التي ستحتاج، من دون شك، إلى سياسات واختيارات عملية لتتحول إلى واقع. نتوقف عند مجموعة من السمات التي ستميز السياق العام لهذا الجيل :
- انخفاض نسبة الإعالة : ونعني بهذا انخفاض نسبة الصغار (إلى حدود 15 سنة) مقارنة بالأجيال السابقة، وكون الشيوخ (ما فوق 60 سنة) لا يشكلون بعد ثقلا كبيرا كما سيحصل في العقود القادمة ابتداء من 2030 مثلا. معنى ذلك أن ما سيتم ادخاره سوف يوجه بالخصوص للارتقاء بمستوى العيش وبناء مستقبل الأجيال القادمة (التمدرس، التربية، الصحة) خصوصا وأن عدد الأطفال سيكون أقل. هذه الفرصة لم تتوفر للجيل السابق بحكم الانفجار الديمغرافي وارتفاع نسب الإعالة الملازم له ؛
- ارتفاع الرأسمال الثقافي : لهذا الجيل مقارنة بالأجيال السابقة. فهذا الجيل استفاد أكثر من غيره استفاد من تعميم التمدرس خصوصا ابتداءا من عقد التسعينيات، مما سيجعل مستواه الثقافي (التعليمي) أعلى من مستوى آبائه وأمهاته ؛
- حماية حقوق الأفراد وحرياتهم : ينشأ هذا الجيل أيضا في ظرفية تتسم بتنامي الخطاب الحقوقي وبتحسن أكبر لشروط حماية الحقوق الفردية وتوسع هامش الحريات، مقارنة بالجيل السابق. هذا بالإضافة إلى الانفتاح الكبير الذي تسمح به التحولات العميقة في مجال الاتصال والإعلام ؛
- بداية نهاية المنظومة البطريكية : أغلب فتيات هذا الجيل يتوفرون على مستوى تعليمي أكبر مستوى آبائهن وأمهاتهن، ثم إن 45 % منهن سيدخلن يوما سوق الشغل، كما أنهن سيتزوجن في المتوسط عند سن الثلاثين فأكثر وسينجبن أقل ما يمكن من الأطفال مقارنة بالأجيال السابقة من النساء. نتيجة لكل هذه العوامل سيتراجع احتكار الرجل للسلطة داخل الأسرة وفي الفضاء العام (الاقتصاد، الجامعة، الإدارة، إلخ). كما ستنتشر بشكل أكبر قيم وقوانين وسلوكات المساواة واحترام المرأة مقارنة بالسابق.
بالموازاة مع هذه الإمكانيات الواعدة، تواجه هذا الجيل المحظوظ نظريا، عدة تحديات نذكر منها :
- التحدي الاقتصادي : خلافا للجيل الذي التحق بسوق العمل في الستينيات والسبعينيات وحتى أواسط الثمانينيات حيث كانت فرص الشغل متوفرة، وعدد المتعلمين قليل، وإكراهات الدولة أقل مما هي عليه اليوم. فإن الجيل الجديد يواجه بسبب تمدرس مكثف وحركية مجتمعية قوية صعوبات كبيرة في الحصول على الشغل واحتلال موقع داخل المجتمع ؛
صحيح أنه يحمل مهارات ورأسمالا ثقافيا أعلى من الجيل السابق المالك لمناصب الشغل المتوفرة، لكن الرهان هو هل سيتم استخدام هذا الرأسمال البشري والثقافي على الوجه الأمثل أم سيبقى الحال على ما هو عليه. كل الاختيارات السياسية للدولة في السنوات القادمة، وكل البرامج والمشاريع وأنماط التعبئة يفترض أن تستحضر هذا البعد الاستراتيجي : خلق المناخ والبيئة الأمثل لإدماج الشباب في الدورة الاقتصادية.
- التوتر والصراع بين الأجيال : يطرح بروز الفاعل الجديد، أي الفرد الشاب، الحضري والمتعلم تحديات على مستوى نمط تدبير العلاقات فيما بين الأجيال. وهكذا فإنه في حال استمرار أزمة إيجاد فرص للشغل، واحتلال مناصب القرار واقتسام المواقع الاجتماعية يمكن أن يشتد التوتر ما بين الأجيال ويتخذ شكل صراع متعدد الأوجه :
- وجه إيديولوجي فكري : يبدو أن المواجهة الإيديولوجية ستواصل التجسد في دينامية يطبعها تنامي الحركات الإسلامية والحركات الحقوقية بمختلف أشكالها فتكتسح تنظيمات المجتمع المدني عند انسداد قنوات الفعل السياسي. مما يمكن أن ينتج عنه تنامي للحركة الجمعوية في مواجهة للدولة وللتنظيمات والمؤسسات التي يحتكر زعامتها الجيل السابق ؛
- وجه سياسي : يواجه من خلاله الجيل الشاب الحامل للإيديولوجيا الإسلامية والحقوقية خطاب المشروعية الوطنية للجيل السابق. كما يمكن أن تتم من خلال هذا صراع مناهضة كل أشكال السلطة التقليدية من السلطة الأبوية إلى سلطة الزعامات السياسية والمؤسسات التقليدية. ويصعب هنا تصور مآل مثل هذا الصراع ؛
- وجه ثقافي قيمي : يمكن أن يعرف المجتمع بمختلف مؤسساته (الأسرة، الحزب، المدرسة، الإعلام، إلخ) تناقضا حقيقيا بين تحولات مجتمعية تسير في اتجاه تفكيك البنية والايديولوجيا البطريكية التقليدية وإعادة تقسيم الأدوار والوظائف بين أفراد الأسرة من جهة، والمنظومة القيمية والثقافية من جهة ثانية التي ستواصل إعادة إنتاج قيم الطاعة والخضوع وترويج المرجعية الدينية التقليدية، إلخ.
وينتظر أن يكتسح الخطاب الحقوقي مجالات ويغطي قضايا ظلت لمدة طويلة حبيسة المجال الخاص فيحولها إلى مسائل سياسية مطروحة في المجال العام (العنف ضد النساء، أطفال النساء العازبات، الحرية الجنسية، الإجهاض، الأوضاع الحقوقية للمثليين، إلخ). وكلها قضايا من شأنها أن تحدث استقطابات إيديولوجية وصراعات ثقافية وقيمية شديدة على منوال ما حصل بخصوص « خطة إدماج المرأة في التنمية ».
وعموما يمكن أن نتصور على ضوء التحولات المذكورة أعلاه أنه يصعب تفادي توتر حاد بين منظومة القيم في توجهها العام والظواهر الاجتماعية الناشئة. ولا يمكن أن نتكهن بمآل مثل هذا التناقض : هل سيحسم من خلال رجعة محافضة قوية أم باعتماد قوانين ليبرالية تدعم ظاهرة بروز الفرد (ذكر أو أنثى) على مسرح الفعل المجتمعي والقيمي.
3-2- تحولات في بنية الأسرة ووظائفها
بالموازاة مع التحولات الديمغرافية العميقة عرفت الأسرة بدورها تغيرات جوهرية منذ الاستقلال إلى اليوم مست بنيتها ووظائفها والعلاقات فيما بين أعضائها. وقد لاحظ الدارسون للأسرة المغربية في مختلف تمظهراتها بأن بنيتها الموسعة التقليدية لم تفتأ تشهد تفككا تحت ضغط التحولات الاقتصادية، والتمدن وحركات الهجرة الداخلية والخارجية وارتفاع نسبة النشاط الاقتصادي النسائي، واتساع استخدام وسائل منع الحمل والتقدم الحاصل في مجال التربية والتعليم. كل هذه العوامل ساهمت في نشأة وتطور مظاهر بروز الفرد (individuation) داخل الأسرة، وتوجها نحو إعادة بناء العلاقات الأسرية داخليا وخارجيا.
وقد أبرزت دراسة وطنية عن الأسر المغربية (1996)6 بأن الأسرة النووية تشكل 60 % من مجموع الأسر المغربية، بينما لم تكن تشكل سوى 51,1 % (1982)، وكانت هي البنية الأسرية الغالبة حتى الستينيات من القرن العشرين هي الأسرة الموسعة التقليدية. والأسرة النووية كما حددها البحث تتشكل من الأبوين وطفل أو عدة أطفال غير متزوجين. أما الأسرة التي يرعاها ولي واحد (famille monoparentale) فتشكل 8,1 % من الأسر المغربية. وتتواجد أكثر في المدن (9,1 %) مقابل (6,8 %) في البادية. وهي نسبة أيضا في تزايد مستمر بحكم أنها لم تكن تشكل سوى 6,2 % سنة 1982، وكانت شبه منعدمة في الفترة السابقة على الستينيات.
وإذا كانت الأسرة المركبة والموسعة موجودة أكثر في البادية وتحاول إعادة إنتاج منظومتها من خلال الايديولوجية البطريكية، ومن خلال الصراع من أجل الحفاظ على مقوماتها الاقتصادية، فإن الأسر في المدينة فقدت وظائفها الاقتصادية رغم استمرارها في المحافظة على القيم والمعايير الأسرية التقليدية. وهكذا تحولت الأسرة الحضرية حتى في صيغتها الموسعة إلى وحدة استهلاكية أكثر منها وحدات تنظيمية وإنتاجية كما كان عليه الأمر في السابق. ويظهر جليا توجه الشباب المتزوج نحو الاستقلالية عن الآباء سواء على مستوى السكن أو الاختيارات المتعلقة بتربية الأطفال وتنظيم النسل والحركة والعمل خارج البيت.
كما يتضح بأن نسبة النساء المعيلات لأسرهن تتزايد باستمرار لتبلغ (18,3 %) في العالم الحضري و(15,6 %) في العالم القروي. وهذا التطور يعبر عن تغير في المواقف اتجاه أدوار النساء ووظائفهن داخل الأسرة، كما يوضح التراجع التدريجي للطابع البطريكي للأسرة المغربية اليوم.
ومن التغيرات الدالة أيضا التي تعرفها الأسرة المغربية تحولات عميقة في العلاقات بين الأجيال كما يتجلى ذلك من خلال القيمة الجديدة الممنوحة للطفل. ففي السابق كانت لهذا الأخير قيمة اقتصادية ونفعية باعتباره مساهما في الإنتاج الأسري وبحكم استخدامه كيد عاملة مجانية أو اعتماده كنوع من التأمين على أيام الشيخوخة. وإذا كان هذا التصور لا يزال مستمرا في العالم القروي وفي بعض الأسر الحضرية الممتدة التي تشكل وحدات إنتاجية وترفع من قيمة التضامن الأسري باعتبار الأسرة وحدة إنتاجية ضامنة لاستمرار حياة المجموعة، فإنه يتأكد تراجع مثل هذه القيم في العالم الحضري. وذلك راجع للتخلي عن القيمة الاقتصادية للطفل وتزايد قيمته السيكولوجية، كما يتزايد الإحساس بالرضى وتحقيق الذات من خلال الأطفال فيتقلص بالتالي دورهم الإنتاجي داخل المجال الأسري.
وبالموازاة مع تراجع الدور الاقتصادي للأطفال، وتواصل مسلسل بروز الفرد وتضاؤل مساعدة الأطفال للآباء، ترتفع على العكس من ذلك تكاليف تربيتهم ويتزايد الاهتمام والعناية بحاجياتهم (تعليم، صحة، ترفيه، إلخ.). وعلى الرغم من التقلص المتنامي لمظاهر وعوامل التبعية الاقتصادية ما بين الآباء والأطفال خصوصا في الشرائح الاجتماعية الوسطى والعليا، يظل الارتباط العاطفي مقاوما للتحولات الاقتصادية والاجتماعية. وهكذا أوضح البحث الميداني الذي أنجزته مجموعة من الباحثين المغاربة حول « الشباب والقيم الدينية »7 أن الأسرة لا تزال تشكل إلى اليوم إحدى القيم الثابتة والمركزية لدى الشباب. وهي ملاحظة تؤكد نتائج بحث ميداني أنجز في سنة 1991-1992 يبرز بأن تعذر بناء الشباب لكيان أسري مستقل عن الآباء بسبب الأزمة الاقتصادية، حول الأسرة إلى إطار أمان وأداة تضامن.
لكن مختلف الدراسات تظهر أيضا نوعا من التوتر بين توق الشباب لتحقيق ذاته كأفرد وإنجاز استقلاليته المادية والنفسية عن الكبار وعن البنية الأسرية، وبين القيم الأسرية التي لا تزال مؤسسة على تمثلات بطريكية. ولا شك أن جزءا من مشكلاتنا المجتمعية الحالية سواء على المستوى الإيديولوجي (المد الإسلامي) أو السياسي (ضعف المشاركة السياسية) يجد جزءا من تفسيره في كون هذا الفاعل الجديد الذي نشأ عن المرحلة الأولى من التحول الديمغرافي (الشباب) لم يتمكن بعد من تأكيد ذاته واكتساب وضعية الفاعل الاجتماعي القائم بذاته.
ويبدو أيضا أن إعادة امتلاك الشباب للقيم الإسلامية – خصوصا لدى الفتيات – يشكل محاولة – رغم الصعوبات الاقتصادية التي تواجه انعتاق الشباب من سلطة الكبار – لاستبدال قيم الطاعة العمياء والخضوع للسلطة الأبوية بقيم الإقناع والاحترام المتبادل.
3-3- الإقلاع الثقافي
يعتبر المؤرخون المهتمون بقضايا التحول السياسي والمجتمعي أن التغيرات الثقافية تلعب أدورا حاسمة في هذا المجال. وهكذا فبعد دراسة للثورات الثلاث (الإنجليزية والفرنسية والروسية) خلص المؤرخ البريطاني لورانس ستون إلى صياغة فرضيته المعروفة بفرضية ستون، حيث اعتبر بأن النقطة المشتركة بين الثورات الثلاث رغم الخلافات الكثيرة تكمن في توفر المجتمعات المعنية بهذه الثورات على نسبة من الساكنة الذكور الذين يتقنون القراءة والكتابة تعادل 50 % عشية اندلاع الاضطرابات السياسية والإيديولوجية المؤذنة بالثورة. وتوالت الدراسات بعد ذلك على ضوء هذه الفرضية فاتضح أن تجارب أخرى في آسيا وأمريكا اللاتينية عرفت قطيعات سياسية وإيديولوجية كبرى، وتأكد بالتالي الترابط القوي بين البنية السياسية والاجتماعية للسلطة ونسبة الساكنة المتعلمة. واتضح أيضا أن حظوظ الخروج من الأنظمة السلطوية نحو أنظمة أكثر ديمقراطية تتزايد أكثر عندما تستقر نسبة المتعلمين ما بين 50 و100 %8.
ودون العودة إلى استعراض المعطيات والأرقام عن السياسة التعليمية بالمغرب منذ الاستقلال والتأخر الحاصل في تعميم التعليم (خصوصا في الفترة التي واكبت ما سمي ببرنامج التقويم الهيكلي 1983-1993)، يهمنا هنا الوقوف عند الجهود المبذولة منذ أواخر التسعينيات من أجل تعميم التعليم الأساسي والتحولات المجتمعية والثقافية التي قد يحملها مستقبلا.
ويمكن إجمال أبرز تلك التحولات في النقط الآتية :
- المساهمة في التقليص من الفوارق الثقافية بين الوسطين الحضري والقروي وتحقيق مستوى من الاندماج الثقافي داخل المجتمع المغربي ؛
- ضمان حضور أكبر للإناث في كل مستويات التعليم والإسراع بوتيرة خروجهن إلى الفضاء العمومي، والاندماج في الدورة الاقتصادية واحتلال نسب أكبر في مراكز القرار والإدارات والمهن المختلفة، وتعميق مسار الانتقال الديمغرافي ؛
- ترسيخ مسلسل بروز الفرد (processus d’individuation) مع كل ما ينتج عن هذا المسلسل من تحولات على مستوى منظومة القيم والعلاقات بين الأفراد ؛
- تغيير خصائص النخب المغربية بفضل التعريب الذي يتولى التعليم الرسمي نشره، مما يساهم في تجاوز المعضلات الثقافية الناتجة عن الفترة أو العقود الموالية للاستقلال ؛
- اكتساب الأمازيغية لمكانتها في المنظومة التعليمية والإعلامية، والأثر الممكن لذلك على ارتفاع مردودية المدرسة المغربية، وتفجير الطاقات الإبداعية المتنوعة لشرائح واسعة من المواطنين.
وفيما يخص ديناميكية الإقلاع الثقافي في الحالة المغربية وآفاق تطور البلاد في العشرين سنة القادمة، يمكن التأكيد على بعض العناصر الأساسية كالآتي :
- إتمام عملية نشر التعليم في الشريحة العمرية 6-11 سنة بعد الجهد الخاص الذي بذل في السنوات الأخيرة، حيث ارتفعت النسبة على المستوى الوطني إلى 92,17 %، وقاربت في الوسط القروي 87,83 % (الدخول المدرسي 2004-2003) ؛
- توسيع قاعدة التعليم الثانوي (الفئات العمرية 12-17 سنة) : لا شك أن هذا من أهم الرهانات التي ستواجه المدرسة المغربية بحكم أن معدلات التمدرس بخصوص هذه الفئات العمرية لا تزال ضعيفة خصوصا في الوسط القروي :
- الشريحة 12-14 : 68,77 %
- الشريحة 15-17 : 42,82 %
كما أن الزيادة في نسب الإناث بالتعليم الثانوي سيشكل عاملا حاسما على مستويات أخرى (الخصوبة، التشغيل، حضور النساء في الفضاء العام...).
- تعميق المساواة بين الجنسين والتقليل من الفوارق بين العالمين الحضري والقروي : لقد تحققت المساواة نسبيا على مستوى قاعدة الهرم أي التعليم الأساسي. ولا شك أنه في إطار سيناريو إيجابي يمكن أن تتقلص الفوارق بين الجنسين على المستويين الثانوي والعالي في العشر سنوات القادمة. وهكذا فلأول مرة بعد أزيد من خمسين سنة لن تصبح العلاقة الجيلية العامة (ما بين الآباء والأبناء) علاقة جهل/معرفة، وإنما ستصير الفجوة أقل اتساعا على المستوى الثقافي، بحيث سيصبح المستوى التعليمي والشهادات هو الفارق الأساسي ؛
- يمكن أن يتعمق التوجه نحو لا مركزة النظام التربوي وتتوسع تدخلات الفاعلين المدنيين (المقاولات، الجمعيات، إلخ) في الفضاء المدرسي. لكن يظل الرهان الحقيقي هو هل سيندرج هذا الانفتاح ضمن استجابة ظرفية لإكراهات اقتصادية أم سوف ينصهر ضمن مشروع مجتمعي ديمقراطي يتسم بإشراك أكبر للمواطنين ؛
- يحتمل أن يتواصل أيضا تعميق التحول اللغوي والثقافي الذي طبع المنظومة التربوية منذ الثمانينيات. ولا شك أن تثبيت مسار التعريب سيزيد من تأجيج الصراع الجيلي الذي أشرنا إليه، خصوصا وأنه بصدد إنتاج نخب جديدة. كما أنه سيستفيد من التحولات العالمية والعربية على مستوى الإعلام والاتصال ليتجاوز المناهج المدرسية نحو قطاعات أوسع. والراجح أيضا أن دينامية التعريب ستتجاوز خطابات التشكيك الصادرة من الأوساط السياسية أو التكنوقراطية (الجيل السابق)، خصوصا وأنها بصدد ربح معركة التحكم في الإنتاج الثقافي وصناعة الرأي العام، حتى وإن ظلت مقصية من الحقل الاقتصادي.
4- الإنتاج الثقافي والفكري
يتضح من خلال رصد الإنتاج الثقافي والفكري (الكتب والمجلات) منذ الاستقلال أن هناك توجهات قوية لا شك أنها ستطبع الحقل الثقافي خلال العقدين القادمين بشكل أقوى وأعمق. نذكر منها ما يلي :
- حدوث نقلة نوعية (على المستوى الكمي على الأقل) في الإنتاج الثقافي والفكري منذ بداية الثمانينات حيث أصبح المغرب ينتج سنويا من الكتب والمجلات ما أنتجه على مدار قرابة قرن (منذ دخول المطبعة 1860 إلى 1956) ؛
- يلاحظ أيضا على مستوى مضامين الإنتاج الثقافي أن الحقول المعرفية المفضلة لدى النخب المعربة هي التي توفر أكبر قدر من الإنتاج (الأدب، القانون، التاريخ). كما يلاحظ تقسيم للعمل الفكري بين النخبتين المعربة والمفرنسة، حيث نجد مثلا أن 90 % من الإنتاج الفكري في الاقتصاد وتدبير المقاولات والتجارة تتم باللغة الفرنسية ؛
- يمكن التأكيد أيضا على معطى مهم هو أنه خلافا لما حدث في بلدان المشرق العربي (مصر على وجه الخصوص)، لم يحتكر الإنتاج الديني الفضاء الفكري والثقافي. ففي المغرب (منذ الاستقلال إلى اليوم) لم تشكل الدراسات الإسلامية في الإنتاج المنشور سوى 10 % من مجمل الإنتاج. وهذا يطرح العديد من التساؤلات مثل : لماذا لم يكن للنخب المتخرجة من شعب الدراسات الإسلامية والكليات الدينية إسهام في إنتاج المعرفة ونشرها خصوصا على مستوى الفكر الديني ؟ ثم هل يعني ضعف الإنتاج المغربي على المستوى الديني أن هناك استهلاكا للإنتاج المشرقي أم أن الكتاب الديني يحتل حيزا مماثلا للنسبة المشار إليه على مستوى الإنتاج الوطني 10 %.
5- الثقافة والتنشئة الدينية
سبقت الإشارة إلى كون العديد من المؤشرات تدل على أن الحقل الثقافي أصبح يتوزعه صنفان من الخطابات : خطاب ديني هوياتي وخطاب حقوقي (الحقوق والحريات). وكما تمت ملاحظة ذلك في الكثير من جهات العالم في فترات سابقة، يمكن القول بأن الإقلاع الثقافي (الانتشار الواسع للتمدرس) ينتج عنه - عند الأجيال الأولى على الأقل- حضور قوي للخطاب الديني. مرد ذلك أن الانتقال من الثقافة الشفوية نحو المكتوب يؤدي في مراحله الأولى إلى محاولة امتلاك أقرب النصوص إلى الثقافة الشعبية (النصوص الدينية الأساسية). في مقابل هذا التوجه العام للجيل الجديد نحو امتلاك ثقافة دينية (مكتوبة)، هناك أيضا توجه قوي على المستوى السوسيولوجي لتأكيد مسلسل بروز الفرد الحضري المتعلم والشاب بمتطلباته الجديدة. كل هذه المؤشرات تدل على أن هذا الفرد لن يكتفي بمصادر التنشئة الدينية التقليدية (الأسرة، المدرسة، المسجد) وأنه سيستخدم (ولعله بدأ ذلك) مصادر جديدة (الكتاب، وسائل الإعلام، الانترنيت، إلخ). وهذا يعني أن التنشئة الدينية التقليدية ستعرف في المراحل القادمة نوعا من التشظي الذي قد يتميز بتأكد توجه الأفراد نحو عدة أنساق معيارية وفكرية وليس لنسق واحد، قصد تشكيل منظومتهم من المعتقدات والقناعات الدينية. وهذا التأليف التلقائي الفردي سيحول فضاء التمثلات الدينية إلى حقل مركب يتضمن حدا أدنى من التعددية، عكس ما كان عليه الأمر في السابق.
وأخيرا يمكن الإشارة إلى إمكانية بروز تناقضات قوية بين التوجه نحو توسع الخطاب الحقوقي وما يواكبه من تعميق لمسار بروز الفرد، وترسخ المساواة بين الجنسين وتفكيك المنظومة البطريكية من جهة، وبين الدعوات المحافظة التي ستحاول تقديم بديل عن الفوضى والقلق المرحليين في مجال القيم، من خلال شعارات « تطبيق الشريعة » وإقرار الدولة الدينية، إلخ. ولعل من العوامل التي قد تساهم في مضاعفة حدة هذه التوترات : آثار مسار الانفتاح الاقتصادي (اتفاقيات التبادل الحر) والبشري- الثقافي (برنامج توسيع السياحة) ودخول الرأسمال الأجنبي، وتوسع المجتمع الاستهلاكي. حيث أن قطاعات واسعة من المواطنين - خصوصا الشباب - الذين لن يتمكنوا من مسايرة هذه التحولات والاستفادة منها سيكونون أكثر استعدادا لتقبل خطابات راديكالية دينية كانت أو غير دينية.
خلاصة : رهان التحول على مستوى القيم
إذا استثنينا بعض المجتمعات التي استكملت مشروعها التحديثي خلال القرن 19 وخلال النصف الأول من القرن العشرين، يمكن القول بأن أغلب المجتمعات المعاصرة تعيش نوعا من تعايش أزمنة متعددة وأنساق معيارية متنوعة وأحيانا متضاربة. وهو أمر معاش يخلق توترات مجتمعية ومعيارية. فأمام التحولات العميقة والعاصفة التي يعمقها مسلسل العولمة، تتوزع المواقف المعيارية والسلوكات كما يلي :
- هناك سلوكات ومواقف تتشبت بما يتصور على أنه الهوية والأصالة وتدعوا إلى العودة لما يعتبر أصولا تابثة، ومصدرا للتوازن والانسجام القيمي ؛
- هناك أيضا من لا يترددون في الاندماج في الجديد والاستفادة من الفرص التي يتيحها، وإن كان ذلك على حساب نوع من الانسجام القيمي ؛
- ثم هناك من يحاول التوفيق بين الموقفين.
لكن هذا التقسيم النظري يختفي عادة في الحياة اليومية، ويبدو الأفراد وك
أنهم يتمهون مع كل المواقف والسلوكات المشار إليها حسب الظروف والسياقات. وهو ما نطلق عليه عادة (le bricolage)، أي هذا التركيب اليومي الظرفي لقيم ومواقف متغيرة. وهذا السلوك المطبوع بنوع من « الانتهازية الاستراتيجية » لم يفتأ يتأكد من الأبحاث الميدانية التي أجريت على منظومة القيم بصفة عامة والقيم الدينية عند الشباب على وجه الخصوص9. نحن إذن أمام وضع يتسم عموما بتشظي المنظومة القيمية، مما يفرض ماجهة مجموعة من التحديات، وعلى رأسها ضرورة إعادة بناء الرابطة الاجتماعية.
كل فترات التحولات الكبرى والعميقة تقتضي مجهودا واسعا لإعادة إنتاج الرابطة الاجتماعية. فإذا نظرنا إلى التجربة الأوروبية مثلا، نلاحظ بأن الثورة الصناعية أدت في القرن 19 إلى انتقال كثيف للساكنة القروية نحو المدن، فظهرت على إثر ذلك مؤسسات أدت مهمة استقبال وإدماج للحضريين الجدد (المؤسسات الاجتماعية المنبثقة عن الكنيسة، التيار الاشتراكي أو الليبرالي، النقابات، الجمعيات، الأحزاب، الحركات الاجتماعية المختلفة). لكن التحدي بالنسبة للمغرب المعاصر هو كون القوى التي يمكن أن تنتج آليات الإدماج هي نفسها لا تزال في طور النشأة (الأحزاب، النقابات، الجمعيات...). وبما أن طبيعة التجمعات البشرية تخشى الفراغ، فهناك احتمال كبير أنه في حالة النقص الشديد في الموارد المؤسساتية والمدنية المعدة لإدماج الفاعل الجديد (الفرد الحضري الشاب والمتعلم) يتم اللجوء مجددا إلى إعادة إنتاج التقليد وتعبئة القيم الدينية كما فعل المغاربة بشكل شبه حدسي في مختلف مراحل تاريخهم، خصوصا في فترات الأزمات الكبرى.
وهكذا فن الاختيار الديمقراطي بما يعنيه من تعددية وإقرار لدولة القانون وتوسيع فضاءات المشاركة المواطنة لا يشكل بالنسبة للمغاربة اليوم مجرد ركوب موضة دولية، بل يكاد يكون ضرورة وجودية ومجتمعية إذا كانوا لا يريدون أن يأخذ التحول أوجها كارثية ■
الهوامش :

1- Geertz, Clifford : Islam observed : religious development in Morocco and Indonesia, The University of Chicago Press, Chicago, 1971.
2- المصدر السابق.
3- انظر :
Laroui, Abdellah : Les Origines sociales et culturelles du nationalisme marocain, 1830-1912, F. Maspero, Paris, 1980.
4- أحيل هنا إلى إحدى أهم الدراسات العلمية الموثقة في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للمغرب قبل الحماية :
Bernard, Rosenberger : Pouvoir et alimentation : nourriture et précarité au Maroc précolonial, Rabat : Editions Alizés, 2001.
5- أنظر : التقرير الوطني حول السياسة السكانية : سنة 2000، الرباط : مركز الدراسات والأبحاث الديمغرافية،2001.
6- أنظر :
Cered, Famille au Maroc : les réseaux de solidarité familiale, Rabat : Ministère chargé de la population, 1996.
7- أنظر :
Les jeunes et les valeurs religieuses, Casablanca : Eddif, 2000, coordination : Rahma Bourqia.
8- أنظر بهذا الخصوص :
Emmanuel, Todd : L’Enfance du monde : structure familiale et développement, Paris : Seuil, 1984.
9- Les jeunes et les valeurs religieuses, op. cit.

Aucun commentaire: